أحمد بن محمد القسطلاني
249
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بأن الواجب المسح أخذًا بظاهر قراءة وأرجلكم بالخفض ، إذ لو كان الفرض المسح لا توعد عليه بالنار . لا يقال إن ظاهر رواية مسلم أن الإنكار عليهم إنما هو بسبب الاقتصار على غسل بعض الرجل حيث قال : فانتهينا إليهم وأعقابهم بيض تلوح لم يمسها الماء ، لأن هذه الرواية من أفراد مسلم ، والأولى ما اتفقا عليه فهي أرجح فتحمل هذه الرواية عليها بالتأويل ، فيحتمل أن يكون معنى قوله لم يمسّها الماء أي الغسل جمعًا بين الروايتين ، وقد صرّح بذلك في رواية مسلم عن أبي هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى رجلاً لم يغسل عقبه ، وأيضًا فالقائلون بالمسح لم يوجبوا مسح العقب ، وقد تواترت الأخبار عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صفة وضوئه أنه غسل رجليه وهو المبين لأمر الله تعالى ، وقد قال في حديث عمرو بن عنبسة المروي عند ابن خزيمة ثم يغسل قدميه كما أمره الله تعالى ، وأما ما روي عن علي وابن عباس وأنس رضي الله عنهم من المسح ، فقد ثبت عنهم الرجوع عنه . وهذا الحديث قد سبق بسنده في باب من أعاد الحديث ثلاثًا من كتاب العلم إلا أن الراوي الأوّل هناك أبو النعمان وهنا موسى ، والله أعلم بالصواب . 28 - باب الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ - رضي الله عنهم - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . هذا ( باب المضمضة في الوضوء ) بإضافة باب لتاليه ، وفي رواية باب بالتنوين المضمضة من الوضوء ( قاله ) أي ما ذكر من المضمضة ( ابن عباس ) فيما تقدم موصولاً في الطهارة ( وعبد الله بن زيد ) أي ابن عاصم فيما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في باب غسل الرجلين إلى الكعبين ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . 164 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاَثًا ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلاَثًا ، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا وَقَالَ : « مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( عن الزهري ) محمد بن مسلم ( قال : أخبرني ) بالتوحيد ( عطاء بن يزيد ) من الزيادة ( عن حمران ) بضم المهملة ( مولى عثمان بن عفان ) . ( أنّه رأى عثمان ) زاد الأصيلي وأبو ذر ابن عفان ( دعا بوضوء ) بفتح الواو وفي باب الوضوء ثلاثًا دعا بإناء فيه ماء للوضوء ( فأفرغ ) أي فصبَّ ( على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات ) أي قبل أن يدخلهما الإناء وفي السابقة فأفرغ على كفّيه ثلاث مرار ( ثم أدخل يمينه في الوضوء ) بفتح الواو فأخذ منه ( ثم تمضمض ) وفي رواية أبي ذر مضمض ( واستنشق ) بأن جذب الماء بريح أنفه ( واستنثر ) بأن أخرجه ، وفي السابقة ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر والمضمضة وضع الماء في الفم وإدارته بالإصبع أو بقوّة الفم ثم مجّه ، لكن المشهور عند الشافعية أنه لا يشترط تحريكه ولا مجّه ، وإذا كان بالإصبع فاستحب بعضهم أن يكون باليمين لأن الشمال مسّت الأذى ، وإذا كان في الفم درهم أداره ليصلَ الماء إلى محله ، وفي رواية أبي داود وابن المنذر فمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا ، وتقديم المضمضة على الاستنشاق مستحق لاختلاف العضوين . وقيل : مستحب كتقديم اليمين . قال في الفتح : واتفقت الروايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق وهما سُنّتان في الوضوء والغسل وأوجبهما أحمد ، والأفضل في كيفيتهما أن يفصل بينهما في أظهر القولين عند الرافعي . وعلى هذا فالأصح ، ونص عليه في البويطي الفصل بغرفتين يتمضمض بغرفة ثلاثًا ثم يستنشق بأخرى ثلاثًا ، وقيل بست غرفات إلحاقًا بسائر الأعضاء وقصدًا للنظافة ، والقول الثاني أن الجمع أفضل وعلى هذا فالأولى أن يجمع بثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق وهو الأصح عند النووي ، وقيل يجمع بغرفة واحدة حكاه في الكفاية عن نصه في الأم ، وعلى هذا يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق كذلك ، وقيل : يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يفعل كذلك ثانيًاً وثالثًا ، واستدل بعضهم بقوله : ثم أدخل يمينه على عدم أشراط نيّة الاغتراف ولا دلالة فيه نفيًا ولا إثباتًا . ( ثم غسل وجهه ) غسلاً ( ثلاثًا و ) غسل ( يديه ) كل واحدة ( إلى ) أي مع ( المرفقين ) غسلاً ( ثلاثًا ) وفي السابقة ثلاث مرات ، ( ثم مسح برأسه ) زاد في رواية أبي داود وابن خزيمة فيِ صحيحه ثلاثًا ( ثم غسل كل رجل ) غسلاً ( ثلاثًا ) كذا للكشميهني والأصيلي ، وفي رواية المستملي والحموي كل رجله وهي تفيد تعميم كل رجل بالغسل ، وفي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي كل رجليه بالتثنية . قال في الفتح : وهي بمعنى الأولى أي